اتهمت وكالة الأنباء الإثيوبية حكومة الانقلاب في مصر بتوظيف أزمة سد النهضة لصرف أنظار الشعب عن أزماتها الداخلية.
وقالت: "لم تعد مشكلة الحكومة المصرية ومنابرها الإعلامية مع إثيوبيا وقضية سد النهضة مجرد خلاف حول إدارة مياه النيل أو المطالبة باتفاق بشأن تشغيله، بل تحولت على مدى سنوات إلى خطاب إعلامي مزيف يصور المشروع الإثيوبي باعتباره خطرًا وجوديًا على مصر والمنطقة".
وأضافت: "وهنا تكمن المشكلة الأساسية؛ فعندما يتحول الخلاف السياسي والفني إلى رواية إعلامية غير صحيحة وثابتة تجعل من إثيوبيا مصدرًا للتهديد، ومن سد النهضة أصلًا لمختلف المخاوف المائية، فإن الإعلام المصري لا يعود يشرح القضية للرأي العام، بل يساهم في صناعة موقفه غير الدقيق منها".
ونسب التقرير إلى دراسات أكاديمية تناولت الخطاب الإعلامي المصري قولها، إن الصحف المصرية استخدمت بصورة متكررة أطرًا إعلامية تقوم على التهديد والصراع والأمن القومي، وقدمت السد في تغطياتها باعتباره تهديدًا وجوديًا لمصر.
وأشارت إلى أن هذا الخطاب لم يبق في إطار الإعلام وحده؛ فقد استخدم مسؤولون مصريون أيضًا لغة مماثلة في وصف السد.
في هذا السياق، قال أندرو كوريبكو، المحلل السياسي الأمريكي لوكالة الأنباء الإثيوبية، إن مصر تكثف ما وصفه بـ "حملة حرب معلومات" ضد إثيوبيا بشأن قضية أباي (النيل الأزرق).
واعتبر أن التصريحات المصرية تسعى إلى تصوير إثيوبيا باعتبارها تهديدًا للأمن الإقليمي لتعزيز موقف القاهرة بشأن مياه أباي. كما أكد أن لإثيوبيا حقًا سياديًا وقانونيًا في الاستخدام المنصف لنهر أباي.
ورأى التقرير أن هذا التصريح يكشف جانبًا مهمًا من القضية؛ إذ يطرح تساؤلًا حول ما إذا كان الخطاب الإعلامي المتكرر يعكس نقاشًا موضوعيًا حول المياه، أم يساهم في تضخيم الخطر واختزال مشروع تنموي إثيوبي في صورة تهديد.
سد النهضة شماعة للأزمات
واعتبر التقرير أن الأكثر إشكالًا أن بعض التغطيات المصرية لا تكتفي بطرح المخاوف بشأن مستقبل المياه، وإنما تميل إلى ربط أزمات مائية في المنطقة بسد النهضة بصورة مباشرة.
وفي السودان، لفت إلى أن بعض المسؤولين والصحفيين السودانيين أشاروا إلى أن الأوضاع المائية لا يمكن تفسيرها بسد النهضة وحده، وأن الحرب المستمرة أثرت في مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة السدود والتعامل مع المواسم المائية.
ومن ثم، قال إن اختزال الأوضاع المائية السودانية في سد النهضة وحده يقدم تفسيرًا مبتورًا لأزمة أكثر تعقيدًا، ويجعل من السد شماعة جاهزة لمشكلات متعددة الأسباب.
السودان دولة ذات سيادة
وشدد التقرير على أنه "إذا كانت مصر تتمسك بحقها في الدفاع عن مصالحها، فإن السودان يملك الحق ذاته في تحديد مصالحه"، متابعًا: "فالسودان دولة ذات سيادة، ولا يحتاج إلى أن تتحدث دولة أخرى باسمه أو تحدد له ما إذا كان سد النهضة يخدم مصالحه أم لا".
ونقل في هذا الإطار عن ياسر عباس، وزير الري والموارد المائية السوداني السابق في يونيو 2020، إن السودان يدعم إنشاء سد النهضة، معتبرًا أن لإثيوبيا الحق في التنمية وتوليد الكهرباء وفق قواعد القانون الدولي.
وعلق التقرير: هنا يبرز السؤال: من فوّض القاهرة للتحدث باسم الخرطوم؟، معتبرًا أن اختلاف السودان مع إثيوبيا في بعض القضايا الفنية لا يعني أن موقفه يجب أن يُختزل في الموقف المصري؛ فالخرطوم قادرة على تقييم مصالحها بنفسها، ولها الحق في الاستفادة من أي مشروع ترى أنه يخدم اقتصادها وأمنها المائي والطاقة.
هل أصبح السد أداة للاستهلاك الداخلي؟
وفقًا للتقرير، لا يمكن تجاهل الحضور الواسع لقضية سد النهضة في الخطاب السياسي والإعلامي المصري، في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا اقتصادية.
وفي أحدث مراجعة لصندوق النقد الدولي في يوليو 2026، توقع الصندوق ارتفاع التضخم في مصر إلى 16.7 بالمئة خلال النصف الثاني من عام 2026، مع استمرار حالة من عدم اليقين ومخاطر مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل.
وفي هذا السياق، قال ياسين أحمد، رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية العامة، إن قضية سد النهضة أصبحت أداة سياسية وإعلامية للاستهلاك الداخلي في مصر، معتبرًا أن تجدد التركيز عليها يهدف إلى صرف انتباه الرأي العام عن التحديات الاقتصادية والمعيشية.
وقال التقرير إن هذا يطرح سؤالًا مشروعًا: هل يُستخدم سد النهضة لتوجيه اهتمام الرأي العام المصري نحو قضية خارجية بدل التركيز على الأزمات والضغوط الداخلية التي يواجهها الشعب المصري؟
من صناعة الخوف إلى قراءة الحقيقة
وذكر التقرير أنه ليس المطلوب من الإعلام المصري أن يتبنى الموقف الإثيوبي؛ لكن المهنية تقتضي ألا يتحول الخلاف إلى صناعة دائمة للخوف، وألا تُقدم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
أما تصوير سد النهضة باعتباره مشروعًا يستهدف مصر، وتحميله مسؤولية مختلف الأزمات المائية، أو التحدث باسم السودان، فقد رأى أنه يبتعد بالقضية عن النقاش الموضوعي، ويحوّلها إلى معركة إعلامية وسياسية ضد حق إثيوبيا في التنمية.
وبين أن إثيوبيا، التي تمضي في تنفيذ مشاريع كبرى تركز عليها لتحقيق النمو والازدهار، ليست لديها رفاهية إهدار وقتها في صراعات لا تخدم شعبها، بل تركز على البناء وإنتاج الطاقة وتوسيع اقتصادها. ولذلك، فإن سد النهضة يمثل جزءًا من مسار تنموي طويل الأمد، وليس أداة للصراع مع القاهرة أو الخرطوم.
وتابع: "لقد اختارت إثيوبيا أن تستثمر مواردها في الطاقة والتنمية، وأن تجعل من قدراتها الإنتاجية جسورًا للتعاون مع محيطها".
وأردف: "وهنا تكمن الحقيقة التي يصعب حجبها بالعناوين: سد النهضة ليس مشروعًا بُني للإضرار بدول المصب او لصناعة الخوف، وإنما مشروع اختارت إثيوبيا من خلاله أن تحول مواردها إلى طاقة، والطاقة إلى تنمية، والتنمية إلى فرصة للتكامل الإفريقي".
وخلص التقرير إلى القول: "المطلوب اليوم ليس المزيد من صناعة، بل قراءة الواقع كما هو: إثيوبيا تبني، وتنتج، وتنمو، وتفتح باب التعاون؛ ومن يريد التعامل مع هذا الواقع عليه أن يتعامل معه بمنطق الشراكة، لا بمنطق التخويف والصراع الإعلامي".
https://www.ena.et/web/ara/w/ara_9428322

